محمد المحمدي الگيلاني

17

تكملة شوارق الألهام

ووجه الاستدلال به أمور ثلاثة : الأوّل : أنّ سؤال موسى - على نبيّنا وآله وعليه السّلام - الرؤية يدلّ على إمكانها ؛ لأنّ العاقل - فضلا عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لا يطلب المحال ، ونبوّة موسى عليه السّلام كالشّمس في رائعة النّهار ، مع كونه عليه السّلام من أولي العزم من الرسل قد بعث على النّاس لتبيين الاعتقاد الحق والعمل الصالح ، وسنام الاعتقاد الحق معرفة اللّه تعالى وصفاته الثبوتية والسلبيّة فهو عليه السّلام كان على يقين بإمكان رؤيته تعالى فبادر بالسؤال . فأجاب المصنّف رحمه اللّه عن هذا الوجه بقوله : « وسؤال موسى لقومه » يعني : أنّ الكليم عليه السّلام كان واقعا في ضغطة من قومه في طرح هذا السؤال ؛ فإنّهم اجترءوا عليه بنصّ القرآن الكريم ، فمنه قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . « 1 » ومنه قوله سبحانه : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ . . . . « 2 » . ومنه قوله عزّ وجلّ : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ . . . أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ . « 3 » فالمستفاد من تلك الآيات أنّ سفهاء القوم - لا كلّ القوم - أوردوا الضغطة على كليم اللّه تعالى ، وتجرّءوا على قدس الكبرياء ، وسألوه من أن يطلب من اللّه إراءة ذاته الأقدس على كيفيّة - العياذ باللّه - حتى يروه جهرة وعيانا بالأبصار فوقعت الواقعة وأخذتهم الصاعقة بظلمهم . ويظهر من ذلك أنّ الراشدين من القوم وعقلاءهم كانوا برءاء عمّا سأل منه السفهاء فكأنّهم على علم بما لا يجوز على اللّه تعالى بهداية الكليم عليه السّلام لهم إلى العقائد الحقّة . الوجه الثاني : أنّه مضافا إلى كلمة « أرني » يدلّ لفظ « أنظر » على المقصود ؛ فإنّ النّظر المقرون بحرف « إلى » يفيد معنى الرؤية ؛ حيث إنّ النظر في متفاهم العرف حقيقة في تقليب الحدقة نحو المطلوب التماسا للرؤية بالأبصار فإن جعلت كلمة « أنظر » في تتمة الوجه

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 55 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 153 . ( 3 ) . الأعراف ( 7 ) : 155 .